لطالما تساءلت في لحظات الصمت بيني وبين نفسي: هل نحن نحتاج العلاقات فعلًا؟ أم أننا نعيش تحت وهم الحاجة، بينما كل شيء فينا يصرخ بالاكتفاء؟
هل العلاقات ضرورة؟ أم أنها مجرد عادة ورثناها من زمن كان الإنسان فيه أضعف من أن يواجه الحياة وحده
لكن لنبدأ من منظور علم النفس، العلاقة ليست مجرد وجود شخص نحادثه بمعنى هي بنية نفسية عميقة مزروعة في جوهرنا من ولادتنا
جون بولبي، مؤسس نظرية التعلق (Attachment Theory)، قال أنه يرى أن الإنسان يُبنى من خلال علاقاته الأولى، وأن نمط التعلّق الذي نطوّره منذ الطفولة – سواء كان آمنًا أو قلقًا أو متجنبًا – يُلازمنا طيلة الحياة ويُشكّل طريقتنا في الحب، في الاحتياج، وفي الهروب من الآخر
وأنا أظن أننا في العمق، نحن كائنات اجتماعية. نولد ونحن نصرخ طلبًا للدفء، نكبر ونحن نبحث عن من يُشبهنا، نحب لأننا نحتاج أن نرى أنفسنا في عين أحدهم. العلاقات هي مرآة، أحيانًا تشوه ملامحنا، وأحيانًا تظهِر أجمل ما فينا
العلاقة الأُولى.. هي المِثال الأعلى
حين نتساءل إن كنا نحتاج العلاقات، لا يمكننا أن نغفل عن أصل العلاقات كلها: العلاقة بالوالدين هي العلاقة التي نولد فيها قبل أن نعي، نحب فيها قبل أن نفهم، ونُشكّل من خلالها أولى الصور عن ذواتنا والعالم
علم النفس يؤكد ذلك، من خلال نظرية التعلّق التي وضعها بولبي، وأثبتت أن أنماط العلاقات في الكبر ليست عشوائية، بل جذورها ضاربة في عمق الطفولة فالأطفال الذين نالوا رعاية حساسة وآمنة، أصبحوا أكثر استقرارًا عاطفيًا، ونجحوا في بناء علاقات قوية لاحقًا بينما من افتقدوا ذلك، عاشوا في حيرة داخلية تُترجم لاحقًا إلى قلق أو تجنّب أو حتى علاقات متذبذبة إن العلاقة مع الوالدين هي النموذج الأوّل، وهي “اللغة العاطفية” التي يتعلّمها الإنسان دون أن يدرّسها أحد له. ومنها يبدأ قلبه في تشكيل معاني الحب، الحنان، الثقة، وحتى الخوف من الفقد لكن لا يتوقّف الأمر عند العلاقات الأسرية فقط، بل إن العلاقات الداخلية (مع النفس، ومع الأسرة) والعلاقات الخارجية (مع الأصدقاء، الشريك، والمجتمع) تتشابك بأساليب خفية، تؤثر فينا على أكثر من مستوى قد تمر بنا لحظة، نرتبك فيها أمام موقف بسيط، لا نعرف سبب شعورنا المفرط، ثم نكتشف بعد أعوام أن جذره عائد إلى نبرة قاسية من الأم، أو غياب عاطفي من الأب العلاقات لا تُنسى، حتى حين ننسى تفاصيلها لأنها تُخزّن في الجسد، في الأعصاب، في طريقة تفاعلنا، في سرعة ردود أفعالنا، وفي نظرتنا لأنفسنا
لكن لماذا نحتاج للعلاقات أصلًا؟
في منتصف القرن العشرين، جاء أبراهام ماسلو بهرم الحاجات، ليضع “الانتماء والحب” في منتصف الطريق إلى تحقيق الذات.
نحن لا نتطوّر في العزلة، بل نحتاج أن نكون جزءًا من نسيج، من علاقة، من دفء متبادل وحتى الآن، تُثبت الدراسات أن الإنسان يحتاج “أن ينتمي” كما يحتاج الهواء
العلاقات تُنبت داخلنا الكثير مثلًا الحنان، الأمل، الألم، والخذلان والحب والكثير من المشاعر هي تُرينا كم نحن ضعفاء وكم نحن أقوياء في ذات اللحظة هي المدرسة التي لا تنتهي، والتي لا نملك فيها خيار الغياب
والسؤال المطروح هنا هل نحن نحتاجها؟ نعم، او ربما لا لأننا غير قادرين على الحياة بدونها، بل لأن الحياة بدونها ناقصة
تخيل يومك دون حكاية ، دون صوت يعيد ترتيب فوضاك، دون يد تُربّت على قلبك حين تثقل بك الدنيا
لكن، هل نحتاج كل العلاقات؟ لا
البعض منها عبء. مساحات مزدحمة بالصراخ، بالضغط، بالمقارنات، بالتوقعات، بعُقد لم تُحل، وبنقص يُرمى علينا
في زمن أصبحت فيه العلاقات تُقاس بسرعة الرد، وعدد القلوب الحمراء، ومقدار الظهور، يبدو أننا لم نعد نبحث عن علاقة بقدر ما نبحث عن إثبات وجود
نحن نحتاج علاقات حقيقية، صادقة، تُشبِه أرواحنا لا مظهرنا. نحتاج علاقة تجعلنا نرتاح، لا نُرهق نحتاج من يُحبنا لا من يستهلكنا
قام الباحثان مارك ليري وروي بوميستر تحدثا عن “الحاجة للانتماء” كأحد أقوى الدوافع النفسية
غياب هذا الشعور بالارتباط يؤدي إلى القلق، الاكتئاب، ضعف المناعة، وأحيانًا حتى الموت المبكر
وبالمقابل، وجود علاقات صحية يُقلل التوتر ويعزز من جودة الحياة
كما أكدت جمعية علم النفس الأمريكية (APA).
لكن ليست كل علاقة تُمثل احتياجًا سليمًا.
كثير من العلاقات تُنهك، تُقيّد، تُخيفنا من أنفسنا، أو تُربكنا في دوامة المقارنات والخذلان
فنحن لا نحتاج كل العلاقات، بل نحتاج ما يُشبِهنا ويُحيينا
يأتي هنا نموذج التوسع الذاتي الذي طرحه العالم آرثر آرون، والذي يقول إن العلاقات تمنحنا فرصة لاكتشاف ذواتنا، لا ذوباننا في الآخر. هي وسيلة لنتعلّم، لا نتنازل. وحين تكون العلاقة حقيقية، فإنها تُضيف: مهارات، مشاعر، رؤى، وحتى هويّة جديدة نتطور بها
لكن هل فكرتوا لماذا العلاقات تجعلنا نشعر بالسعادة؟ حتى لو كان مُجرد رمز تعبيري في الرسائل لكن هل تعلمون أنها ظاهره تمت دراستها والدراسات تُظهر أن حتى أبسط تعبيرات التواصل – مثل الرموز التعبيرية في الرسائل – ترفع مشاعر الحميمية والرضا في العلاقة
بحسب دراسة منشورة في مجلة PLOS One
وربما نحتاج في بعض فترات حياتنا أن نكون بلا علاقات على الإطلاق ، نعتزل، نهدأ، نُرمم أنفسنا، نراجع ما فات، ونُعيد تعريف ما نستحق لأن العلاقات ليست ضرورة دائمة، بل حالة متحركة
أحيانًا نحتاجها، وأحيانًا نحن بحاجة أن نُشفى منها في النهاية، لا أحد يستطيع أن يحدّد لك إن كنت تحتاج العلاقات أم لا، إلا قلبك هو وحده يعرف هل العلاقة تُضيف أم تُنقص؟ هل تُحييك، أم تُطفئك؟. وما بين الحاجة والاستغناء، نُواصل العيش، نحاول أن نفهم، ونبني، ونهدم، ثم نعيد بناء أنفسنا من جديد، كل علاقة نخوضها لاحقًا، هي بطريقة ما محاولة إما لإعادة ما فقدناه، أو لحماية ما تبقّى فينا وحين ندرك ذلك، نصبح أكثر وعيًا، أكثر حنانًا على أنفسنا، وأكثر دقّة في اختيار من نُدخلهم لقلوبنا



دائماً سنحتاج للعلاقات أينما كُنا ، ف اللهُ سبحانهُ وتعالى عندما خلق ادم ( عليه السلام) عرف أنه لن يستطيع أن يبقى وحيدا وعلى الرغم أنه في الجنه فخلق له حواء .
في العزلة انتماء.