«ليس هناك طريق إلى السَّلام، السلام هو الطريق»
نحن دائمًا ننتظر السلام كأنه محطة في آخر النهار أو لحظة معلقة نرجوها وسط ضجيج الأيام واحياناً نظن أنه شي مُستحيل الحدوث
نمضي في الحياة باحثين عنه، نفتّش في الزوايا، نحدّق في الملامح، وننقّب في التفاصيل الصغيرة، كأنّه شيء نملكه إن سعينا خلفه، لكن الحقيقة أعمق من ذلك
السلامُ ليس شيئًا نُفتّش عنه، بل - حالة نعيشها - ، جزء لا يتجزأ من وعينا باللحظة، من طريقتنا في الإصغاء، في التقبّل، في أن نكون هنا دون توقّع أو رغبة في الهروب
لكن الحقيقة اننا نغمض أعيننا عن تلك الحقيقة، نؤجلها، نُقصيها عن يومنا، ونعلّقها على جدار الغد
نحن لا نعيش الحياة، بل ننتظرها
نؤجل شعورنا بالرضا، بالسكينة، بالفرح، حتى إشعارٍ آخر نقنع أنفسنا أن اللحظة القادمة ستحمل كل ما نحتاجه، كل ما ينقصنا فنحمّل الغد أعباء اليوم !
ونعبُر الحياة كمن يمشي على جسر لا يجرؤ أن ينظر تحته نخاف أن نرى العمق، أو الفراغ، أو الحقيقة وفي غمرة الانتظار، نفقد اللحظة وفي خوفنا من الانكسار، نكسر أنفسنا دون أن ندري
لكني بتُّ أؤمن موخرًا ، بكل ما في القلب من تجارب وخسارات ونضج بطيء، أن الحياة ليست وجهة نصل إليها وقد أتممنا كل الشروط
ليست لحظة مثالية نصل لها بعد أن تستقيم الظروف ويتوقف التعب الحياة ببساطة هي ما يحدث الآن وما لن يتكرر بنفس الطريقة أبدًا ربما لم تفهمو مقصدي لذا سأوضح مايعنيه كلامي
صباحًا، حين توقظك الشمس من النافذة، ووجهك نصفه في الضوء ونصفه الآخر غارق في الظل - هذه لحظة - حين تعدّ قهوتك بنفس الروتين، وتعرف متى تغلي قبل أن تسمع صوتها هذه لحظة
حين تسمع صوت أحد تحبه في الطرف الآخر من الهاتف، وتبتسم قبل أن تتكلم هذه لحظة. هل ننتبه لها؟ أم أننا منشغلون للغاية بـ”ما بعد”؟
في الطريق إلى العمل، وسط الزحام، وبين الناس الذين يبدون وكأنهم يركضون نحو المجهول، تجد امرأة تجرّ طفلها المتذمر، ورجلاً يبيع الماء على الرصيف، وشابًا يستمع للموسيقى ويحرك رأسه بخفة. كل منهم يعيش لحظته، بكل ما فيها من عادية لكن هذه العادية، هي الحياة
نحن لا نملك ما يحدث معنا، لكننا نملك كيف نتلقى ما يحدث كيف؟ مثلًا نملك أن نختار الفرح، لا كرفاهية، بل كفلسفة بقاء. نملك أن نختار أن نُسكن الطمأنينة في تفاصيلنا، حتى لو كانت الحياة نفسها مشغولة بحربها
السلام لا ينتظرنا في نهاية الطريق، هو في طريقة مشينا
هو في أن نسمح لأنفسنا أن نكون بخير، وإن كان كل شيء حولنا غير مكتمل في أن نختار العيش رغم التعب، وأن نحمل داخلنا نية الفرح، حتى وإن لم نجد له أسبابًا كافية
أتذكّر تلك الليالي التي بكيت فيها دون سبب واضح، ثم هدأت فجأة لأن صوت المطر بدأ يهطل. وتلك الأيام التي شعرت فيها بالضياع، ثم وجدتني أرتب غرفتي بصمت وكأنني أستعيد السيطرة على جزء صغير من فوضاي، وتلك المرة التي قرأت فيها عبارة على كوب القهوة كأنها كُتبت لي: “الحياة تحدث الآن.”
ما يحدث معنا ليس دائمًا عادلاً، لكن في قدرتنا أن نختار كيف نعيش معه بمعنى أن لا نربط سعادتنا بزمن مثالي لن يأتي، بل نصنع منها شيئًا في كل يوم عادي أن نخلق من الروتين طمأنينة، ومن التفاصيل جمالًا، ومن الصعوبات حكايات
نحن لسنا في سباق أعزائي!
لسنا في مهمة لإنهاء كل شيء بسرعة نحن في رحلة، والرحلة بحد ذاتها تستحق أن نعيشها ببطء، بلذة، بإصغاء
فلا تؤجّل سعادتك، لا تنتظر الصفاء لتبدأ بالراحة ولا تظن أن السلام شيء يمنحك إياه العالم
السلام قرار، تدريب، تنفّس، صلاة داخلية السلام أن ترى في عتمة يومك نجمة واحدة وتقرر أن تكفيك
اختر أن تعيش، بكل ما في الحياة من تناقض. أن تستمتع بالطريق، لا لأن نهايته مؤكدة، بل لأنك تستحق أن تشعر بالجمال وأنت تمشيه.


عاجزه عن التعبير ، المقال رائع جدا لمس قلبي !
مقال رائع جداً سأحتفظ به في دفتري