أخشى أن أدمر تنكَّري كفتاةٍ مهذبة —هنري ميللر
— لا أذكر متى تحديدًا تسللت إلي رغبة الكتابة، ربما في مايو الأخير، أو في لحظة لم أكن أعي فيها أن ما أفعله هو كتابه أساسًا الآن فقط، أشعر بحاجةٍ ملحة لأن أكتب
الأصوات خارج دائرتي الصغيرة تتعالى — ضحكات وبكاء طفلٍ يتبعها صوت يسأله برفق “ماذا تريد؟”، وأصوات أخرى تتسرب كخيوط هواءٍ إلى غرفتي، بينما رأسي يزدحم بصوتٍ واحدٍ لهنري ميللر وهو يقول: أخشى أن أدمر تنكّري كفتاةٍ مهذبة
ربما لهذا الجملة وقعٌ خاص في نفسي، لأنها تشبهني بطريقةٍ موجعة قليلًا عشت عمري القصير حتى بلغت العشرين، متنكرة في هيئة الفتاة المهذبة، الصلبة، المتزنة، تلك التي لا تلتفت نحو شهوات الحياة الصغيرة، لا تبدي انفعالًا، ولا تنكسر. كنت أعيش دورها بإتقانٍ يجعل الآخرين يصدقونه، حتى أنا صدقته لفترة لكني اليوم أعي أن تلك لم تكن أنا كنت أتقمص سلوكًا لا يشبهني، وأخفي خلف الهدوءِ ارتجافًا داخليًا، وخلف الحزمِ هشاشةً تئنّ كل مساء
لا أحد يعرفني بالكامل، حتى أنا لم أعرفني بعد وأحيانًا أسمي هذا التوهان اغترابي عن ذاتي، وأحيانًا يقولون عنه أزمة وجوديّة — لا أعترض، كلا الوصفين يقتربان من الحقيقة أفكر أنني طوال الوقت كنت أعيش في حالة شدّ بين ما أظن أنني يجب أن أكونه، وما أنا عليه فعلاً، كنت أظن حينها أن النجاة في السيطرة، في الانضباط المبالغ فيه، في إخفاء الاضطراب خلف ابتسامةٍ متزنة ونبرةٍ واثقة لكن يبدو أن النجاة أهدأ من ذلك بكثير، وأنها تبدأ حين أكف عن التمثيل
الآن، وأنا أكتب، أراقب ضوء الغروب يتسلل عبر الستارة كخيطٍ ذهبي وأفكر هل كانت الفتاة التي تنكرتُ بها طيلة السنوات الماضية تحب هذا الضوء مثلي؟ هل كانت تجرؤ على الجلوس بهذا الهدوء دون أن تشعر بالذنب لأنها لا “تفعل” شيئًا؟ ربما لا، لأنها كانت تؤمن أن التوقف يعني الفشل، وأن الراحة نوعٌ من التراخي أفكر أنني طوال الوقت كنت أعيش في حالة شدّ بين ما أظن أنني يجب أن أكونه، وما أنا عليه فعلاً
على رغم أني لست من هواة التكلم عن معاناتي النفسية لكن أظن اليوم سأتجاوز الحدود قليلًا وأتكلم عني لقد بدأ اضطراب القلق والتفكير المفرط السلبي يرافقني منذ طفولتي، لا أتذكر متى بالضبط، لكنه نشأ في داخلي مثل ظلٍ يلازمني في كل زاوية من رأسي كنت أخاف من كل شيء، وأفكر في كل شيء، وأتظاهر بأن لا شيء يحدث وكان التنكر بملامح الفتاة المهذبة كان درعي، وطريقتي الوحيدة لأبدو بخير، لأبدو “طبيعية” لم أخبر أحدًا، ليس لأني فتاة من فولاذ وقوية بل لأنني خفت من أن يفسروا خوفي ضعفًا فتآلفت مع القلق، روضته، وسكنته كما يسكن المرء بيتًا قديمًا يعرف كل صريره، لكنه لا يستطيع مغادرته. أفكر في نفسي كثيرًا لا كما كنت أفعل قبل عام، عندما كان التفكير شكلًا من أشكال القلق، بل كما أفعل الآن، حين صار التفكير محاولة للفهم لا للحكم أفكر في الطفلة التي كنتها، تلك التي ظنت أن النجاة في أن تكون مثالية، وفي الفتاة التي تنكرت لذاتها باسم “الانضباط”، ثم في المرأة التي أبدأ بتكوينها اليوم: أقل تمثيلًا، أكثر حضورًا و أدركت أنني لا أحتاج إلى أن أكون “مهذبة” كما يتوقعون، ولا قوية كما يظنون، يكفيني أن أكون صادقة مع نفسي أن أعيش يومي بما أستطيعه، لا بما يُفترض أن أفعله أن أسمح لضعفي أن يظهر دون شعورٍ بالخزي، وأن أفرح دون أن أبرر ذلك لأحد وفي النهاية ربما لا شيء تغير فعلاً، سوى أني توقفت عن مقاومة الحياة صرت أتعامل معها كرفيقةٍ متقلبة المزاج مرة تُربت على كتفي، ومرة تدفعني نحو الهاوية، لكني بدأت أتقبلها نوعاً ما
اليوم لم أكتب لأني حزينة، بل لأني بدأت أشتاق للكتابة حتى في الأيام العادية ربما هذه علامة على أنني لم أعد أكتب لأُشفى، بل لأُبصر نفسي أكثر وهذا بحد ذاته بداية طيّبة


يكفيني أن أكون صادقة مع نفسي أن" أعيش يومي بما أستطيعه، لا بما يُفترض أن أفعله أن أسمح لضعفي أن يظهر دون شعورٍ بالخزي، وأن أفرح دون أن أبرر ذلك لأحد"
حبيت اوي.💗
أفلاطون قال
اعرف نفسك
دوستويفسكي قال
لا يهم ماذا سيقول الناس عني فمادمت انا اعرف من انا ومادمت لم أظلم أحدا ومادمت لم اعش على فضائل موادهم فل تذهب ارائهم جميعا إلى الجحيم فكلامي مع نفسي أثمن من كل تلفيقاتهم
فقدر نفسك ولا تلتفت ورائك لأنك لا تستطيع إصلاح مضيك ولكن تستطيع تصليح مستقبلك