بعد انتهائي من قراءة كتاب ثرثرة فوق النيل ظل سؤال معين يدور في ذهني - هل العقل يحتاج الإرادة؟ - هل يكفي العقل وحده لكي نعيش بوعي ونصنع قراراتنا؟ أم أن العقل مهما بلغ من وضوح يحتاج إلى الإرادة كي يتحرك؟ كنت أشعر أن الفكرة ليست مجرد تأمل عابر بل نافذة تطل على سر عميق من أسرار النفس البشرية. العقل في جوهره ليس إلا مرشدًا ومتحكم يعرض علينا الصور والبدائل يزن ويرتب ويحلل لكنه يظل عاجزًا ما لم تنهض الإرادة لتدفع الفكرة من حيز النظر إلى حيز الفعل
كثير من الفلاسفة أشاروا إلى هذه الثنائية فابن تيمية مثلًا يقول إن الإرادة لا تتحرك إلا بعد أن يتصور العقل الأمر، كأنها نار تحتاج إلى الشرارة الأولى ويقول أيضاً "كل إنسان همام حارث حساس متحرك بالإرادة، بل كل حي فهو كذلك، له علم وعمل بإرادته” بينما يرى شوبنهاور أن الأمر معكوس تمامًا، فالإرادة هي الأصل والعقل مجرد أداة في يدها يستخدمه ليبرر رغباتها ويحقق ما تميل إليه وبين هذين الرأيين يقف علم النفس الحديث ليؤكد أن الإنسان يعيش بين تأثيرات بيولوجية وبيئية لا يعيها بالكامل ومع ذلك يظل للعقل دوره في التوجيه، وتظل للإرادة أهميتها في تحويل الفكرة إلى قرار
يقول وليام جيمس رائد علم النفس الحديث إن عملية الاختيار تمر بمرحلتين في الأولى يضع العقل البدائل، وفي الثانية تأتي الإرادة لتحسم وتدفع نحو الفعل. وهذا ما يجعلني أشعر أن العقل بلا إرادة يشبه خريطة بلا مسافر وأن الإرادة بلا عقل كمسافر يتيه بلا وجهة فالحياة الحقيقية تنبثق من اللقاء بين الاثنين يضيء العقل الطريق وتدفع الإرادة الخطى
هكذا وجدت أن السؤال الذي أثارته رواية نجيب محفوظ لم يكن مجرد جدل فلسفي بل تجربة نعيشها جميعًا وربما تختلف تجاربنا. نحن نفكر ونخطط ونحلل لكننا لا نتغير حقًا إلا عندما نملك الإرادة وربما كان سر الإنسان كله مختصرًا في هذه الثنائية عقل يوضح، وإرادة تُنفّذ
ومن وجهة نظري أجد أن العقل والإرادة وجهان لعملة واحدة، فلا وجود لإرادة بلا عقل ولا يستطيع العقل أن يحيا بلا إرادة. إن فقد الإنسان القدرة على الإرادة تلاشى سريعًا، فالإرادة هي النبض الخفي الذي يحركنا ويمنح لحياتنا طعم الاستمرار، وهي القوة التي تجعلنا ننهض بعد كل سقوط ونمضي رغم قسوة الطريق. ومع ذلك لا تنبثق الإرادة في فراغ بل تحتاج إلى عقل يضيء مسارها ويرشدها. أميل هنا إلى ما قاله ابن تيمية رحمه الله إذ جعل للعقل مكانة جوهرية في توليد الإرادة، فبيّن أن منه المبتدأ وإليه الانتهاء أي أن الإرادة لا تتولد إلا بعد تصور عقلي، وأنها في النهاية تعود لتصب في نهر العقل مرة أخرى، فالعقل هو البذرة والإرادة هي الثمرة، والعقل هو الدليل والإرادة هي السير. هكذا أرى أن العقل والإرادة متعادلين في القيمة، متداخلين في الوجود، كلٌّ منهما يمد الآخر بالحياة. فإذا كان العقل هو العين التي ترى، فالإرادة هي القدم التي تخطو وإذا كان العقل هو النور، فالإرادة هي الحركة ومن فقد أحدهما، فقد التوازن، وفقد معنى العيش ذاته


رائع جدا استمتع بالقراءة 😍❤️❤️