عزيزي القارئ، بادئ ذي بدء أستهل مقالتي بشطر من قصيدتي المفضلة التي لازمتني طوال هذه الفترة الرمادية، للشاعر محمد الشهاوي
«الخروج إلى المُطلق»
اخرجْ من ذاتِكَ فالذاتُ نقاب
والليل القابِعُ فى جَنْبَيكَ حجاب
ولكى لا تبقى محجوبا
ولكى لا تَحْيَا مغلوبا
لا تستسلمْ لِظلامٍ يطويك
واستَجْلِ النورَ الكامِنَ فيك
واستنفِرْ أبهى طاقاتِك
فسجونُ العالمِ ، كلِّ العالمِ لا شيء
في رحلتي هذه، كنت أقول -إني لم أعد أنا- كنتُ غريبةً تمامًا عن ذاتي وكل ما في حياتي صار غريبًا عني حتى علاقاتي الشخصية. كنت أحاول استعادة الشعور بأنهم ليسوا غرباء عني وأنني لست غريبة عن نفسي لكن ذلك الإحساس كان يزداد اتساعًا يومًا بعد يوم، تمر الأيام ولياليها وأنا أنتحب من غربتي عن ذاتي لم أعد أنا، لا شيء يستهويني، ما كنت أحبه لم أعد أحبه، وما كنت أستمتع به لم أعد أستمتع به
لنعد إلى اللحظة التي بدأ فيها العالم يكتسي بالرماد، في ديسمبر من عام 2025 أصبح كل ما حولي باهتًا كأنني أعيش داخل مشهد من فيلم فرنسي قديم، لا معنى يكتمل، ولا لون يستقر، لا هواية تُسلي، ولا إنسان يخفف وطأة الواقع واستمر هذا الامتداد الرمادي لثلاثة أشهر تقريبًا، كنت خلالها أتساءل: من أين بدأت النقطة؟ متى تغير كل شيء؟
لكن الإجابة لم تكن تأتي، ثم في ليلة ما شعرت بالملل من نفسي الى حد مزعج لأنني كنت مثل جسد بلا روح حينها بدأت أستدعي ذاتي القديمة تلك التي كانت تبدو لي خضراء كالشجر، ممتلئة بالحياة والبهجة. ذهبت إلى منصة ماً وكتبت : كيف يُستعاد الشغف حين يُسلب؟
انهالت علي الإجابات من كل اتجاه لكنني انتهيت إلى فكرة واحدة
أن تلك الذات “الخضراء” التي أحن إليها قد انتهت مرحلتها.
وأنني الآن في طور تكوين ذات جديدة؛ ذات شابة تبنى من جديد وإن ذاتي التي أستمرت حتى مراهقتي قد أنتهت صلاحيتها
ومن هنا بدأت مرحلة إعادة التشكيل أعدت النظر في تفاصيل حياتي رتبت الفوضى بما يناسب ذاتي الجديدة، وتخليت عن أشياء كثيرة لم تعد تشبهني. كانت مرحلة صعبة لكنها جاءت بعد تقرب من الله ودعاء بأن يُنير طريقي وما تجاوزتُ هذه المرحلة إلا بفضل الله ثم بجهدي أنا
بدأت أُدخل الامتنان في يومي مجدداً وأبتعد عن المشتتات التي ترهقني، أختار ما يبهجني وأبتعد عن ما يحزنني، والأهم من ذلك أنني بدأت أحب ذاتي وأدرك أن هذا الحب لن يتغير مهما تغيرت
وعند التعمق في سبب امتداد “الفترة الرمادية” وجدت أن الحزن والحنين كانا العاملين الأبرز
كنت أُحاول استرجاع شيءٍ مضى وانتهى —نسخة سابقة من نفسي— وظننت أن ذلك ممكن لكن كل محاولة كانت تعيدني إلى ذات النقطة: الفشل، ثم الحزن، ثم التعلق بالماضي كنت أعيش خلف ما انتهى لا أمام ما هو كائن
وهنا أدركت أن ما ينتهي لا يعود وأن لكل شيء زمنه، وأننا أشبه بجذع شجرة قد يقطع لكنه ينمو مجددًا بشكلٍ مختلف أقوى أو أنضج وأن انتهاء شيء لا يعني البؤس، بل يعني بداية جديدة لا تشبه ما قبلها
وخلال هذه الرحلة، ظلّ سؤال عبد الرحمن منيف في رواية مدن الملح يتردّد في داخلي: “هل يستطيع الإنسان أن يتكيف مع الأشياء الجديدة والأماكن الجديدة دون أن يفقد جزءًا من ذاته؟”
كنتُ أستبعد هذا المعنى في البدء كيف يتسنى للمرء أن يفقد شيئًا منه وهو في طور الترميم؟
غير أني أدركت لاحقًا أن الأمر لا ينطوي على فقد محض، بقدر ما هو انحلال هادئ لما لم يعد يلائمنا
نحن لا نعبر تحولاتنا مكتملين بل يتساقط منا ما استُهلك لأنه لم يعد ينتمي نظن أننا نخسر، بينما الحقيقة أننا نُفسح مساحة لما سنصير إليه
ومن هنا استقرّ في نفسي يقين؛ أن في داخل كل منا أشياء تنقضي دون إعلان وأن التمسك بها بعد انتهاءها ليس إلا تأجيلًا لولادةٍ أخرى


قرأت كلماتكِ وكأنني أقرأ رحلة استعادة روح.. مقالكِ هذا ليس مجرد كتابة هو فعلا جسر عبور لكل شخص يحاول الخروج من نفق الرمادية. أكثر ما لمسني هو حديثكِ عن الانحلال الهادئ تلك اللحظة التي ندرك فيها أننا لا نضيع، بل نتخفف من قشور قديمة أو نقاب كما وصفه الشهاوي لكي تظهر ملامحنا الحقيقية لقد وضعتِ يدكِ على الجرح وأجبتِ على تساؤل منيف بوعي مدهش فالتكيف معكِ لم يعد انكسارا بل هو شجاعة إخلاء مساحة لنسخة أنضج وأجمل منكِ توقفت طويلا عند جملتكِ؛ نحن لا نعبر تحولاتنا مكتملين، بل يتساقط منا ما استهلكِ.. هذه العبارة وحدها تختصر حكاية النضج البشري بذكاء شديد. شكرا لأنكِ حولتِ وجع الفقد إلى طمأنينة التخلي الواعي.
مبارك لكِ هذه الولادة الجديدة، ومبارك لنا هذا النفس الصادق في الكتابة الذي يجمع بين حرقة التجربة ويقين الشفاء.
أدركت مدي واحشة هذه الواقعة علىّ أيضاً
مؤخراً بأنني عالقه في الماضي بشكل مزري
ولهذا السبب أنا ثابته وغير قادره علي الحراك
وكم أود لكن معضلتي هي نفسي
التي مرت بالكثير فوق الكثير
والتي تكاد تكون تفقد نقاءُها رغم إنها
لازلت تحمل القليل منها لكنها أصبحت متبلده
لا شيء يؤثر عليها لأنها مليئة بالكثير
الذي لا تنفك عن التشبث به، إنها عنيدة
في هذا الأمر لكن يجب أن تنسى وتمضي
يجب أن تطلق العنان لجميع الشجون المخبأه
تحت الوطأء المسمى بالنوستليجيا
أشعر بالأمتنان وحزن أني أبصرت ذلك
لكن شعور الأمتنان أطغي لأن الرحمٰن أبعثكِ
إلي لأستبصر أني لست وحدي كما خولت
لي نفسى العصيه عن الإدراك.