
ثمة لحظات تمرّ عليّ أشعر فيها أن القلب ليس عضوًا بل موسم موسم متقلّب كسماء باريس، لا يُنذر بمطره، ولا يستأذن بالشمس حين يسطع. الحب، في جوهره، ليس شعورًا طارئًا، بل حالة وجودية هطول داخلي لا يمكن التنبؤ بموعده، لكنه متى ما حلّ، غيّر تضاريس النفس
أتساءل أحيانًا، وسط مشهد يوميّ بسيط، كإعداد فطوري في الصباح—قهوة تُصفّى، وشريحة خبز تُحمّص برفق كيف يمكن لتفاصيل ضئيلة أن تحتضن في داخلها ما يشبه الحب؟ أليس الحب في أساسه هو هذا: انتباه مفرط، إصغاء للصمت، وارتعاش خفيف عند التماس؟
الحب كما رأيته في أفلام ترواحت بين السينما الإيطالية المرهفة وأفلام وونغ كار واي المغموسة في الضوء والحنين، لا يُروى كما هو بل كما يُشعر في فيلم“في مزاج للحُب“ لم يكن الحب في الكلمات، بل في الممرات الضيقة، في الثياب المتكررة، في الصمت الذي طال بين نظرتين. وهذا ما أظنه يحدث في الحياة أيضًا، نحن لا نقع في الحب فجأة، بل نُسحب إليه على مهل، دون أن نشعر، كمَن يدخل الماء تدريجيًا حتى يتلاشى اليابس من تحت قدميه
ولأني امرأة لا تتقن الحياد، فإنني أعيش الحب كأنه تجربة فنية: ألمسه في الموسيقى، أستشعره في اختيار كوب القهوة الذي أُفضّله صباحًا، في كلمة تركها لي صديق فجأة، في مشهد عبرته سيارة أجرة عند الشروق وشبكته عيناي دون قصد. لا أبحث عن الحب في الوجوه، بل في اللحظات، في ما يوقظني دون أن يوقظ الآخرين
الحب لا يُعرّف، بل يُختبَر. وكل من حاول تعليبه أو تلخيصه في عبارات جاهزة، فقد جوهره. إنه مثل تلك الأفلام التي لا تشرح نفسها، بل تتركك تتأمل شاشة سوداء بعد النهاية وتحس أنك مررتَ بشيء لا تصفه الكلمات لكنك تغيّرت
وأنا أراقب الناس في المقاهي، في الطرقات، في صالات السينما، أدركت أن الحب قد لا يكون دائمًا بين شخصين. أحيانًا، يكون بينك وبين لحظة عابرة، كتاب قرأته في ليلة طويلة، مشهد من فيلم جعلك تشهق، أغنية جاءت في توقيت خاطف فاستقرت في روحك. نحن لا نحب دائمًا “أحدًا”، بل نحب ما يوقظ فينا شيئًا كنا نظن أنه مات أو خمد.
في الحب، لا شيء يُشبهنا بعد الوقوع فيه. نصير أكثر شاعرية، أو أكثر قسوة الحب يفعل فينا ما لا تفعله الفصول الأربعة: يعيد ترتيبنا من الداخل، يعيد تشكيل ذاكرتنا، يجعل من لحظة بسيطة أرشيفًا شعوريًا لا يختفي أتذكّر كيف ارتبطت أغنية قديمة برائحة معينة، وكيف أصبحت هذه الرائحة بوابتي لاستحضار من أحببت. بمعنى ان الحب لا يغادر، هو فقط يتقمّص أشياء أخرى، يتخفّى، ثم يظهر فجأة حين لا نتوقع
تأملت كثيرًا في قول المنفلوطي:
“ الحب قطرة غيث صافية تنزل بالتربة الطيبة فتثمر الرحمة والشفقة ، وبالتربة الخبيثة فتثمر الحقد والغضب.”
ورأيت نفسي تربة ناعمة، خصبة بالحنين، فاض بي الحب يومًا ولم أجحده. أعطيت دون وزن، وقبلت أن يؤذيني دون أن أُقابل بالاعتذار. كان كل ذلك بدافع الفهم، بدافع أن أقول في داخلي: “على الأقل، أحببت كما يجب.” وهذا يكفيني
أكتب هذا الآن، فيما يدوي صوت ياني من خلفية المساء، وضوء خافت يتسلل من نافذتي، وقلب تعلم مؤخرًا أن يكون أكثر حذرًا، لا لأنه لا يريد الحب، بل لأنه لم يعد يقوى على انكسارات إضافية.
في النهاية، الحب ليس ما تقوله الأفواه ، بل ما يتركه فينا. الحب ليس سؤالًا، بل أثر. وربما نحن لا نكتب عن الحب لأننا نعرفه، بل لأننا نخشى نسيانه نكتبه كما نكتب تاريخنا، حتى لو لم يقرأه أحد مثلي تماماً


قرأت نصك الجميل، وتأملت الفكرة التي تنظرين منها إلى الحب كحالة تُكتسب مع الزمن، فوجدت نفسي أميل إلى ضفّةٍ أخرى… أظن أن الحب لا يُتعلَّم، بل يُولد معنا. إنه التجربة الأولى للوجود، أو ربما اللغة الأولى قبل أن تُخلق اللغة.
فحين يكون الإنسان في طور التكوين، داخل رحمٍ يحتضنه، لا يملك عقلًا ولا معرفة، لكنه يشعر — بالدفء، بالصوت، بالنبض الذي يحيط به. ذلك الإحساس الأول، الذي لا اسم له، هو “الحب” في شكله الخام، النقي، الذي لم تمرّ عليه التجربة ولا الذاكرة. ومنذ تلك اللحظة، يتسرّب الحب إلى وعيه الباطن، فيتعلم الحياة من خلاله قبل أن يتعلم الكلام.
وحين يولد، يُستقبل بالحب، يُطعم بالحب، يُصفق له حبًّا، ثم يكبر وهو لا يعرف معنى الحب، لكنه يمارسه فطرةً، في ابتسامته لأمه، في خوفه على أخيه، في دهشته أمام الأشياء الجميلة.
أعتقد أن الحب ليس شعورًا يأتي من الخارج، بل ذاكرة داخلية قديمة، نحاول طوال حياتنا العودة إليها. نبحث في الوجوه واللحظات عمّا يُشبه ذلك الشعور الأول: السكينة التي لا تُطلب، الأمان الذي لا يُشرح، الحضور الذي لا يحتاج لغة.
وربما لهذا السبب لا نكتفي أبدًا، لأننا لا نحبّ ما أمامنا بقدر ما نحبّ ما يُذكّرنا بما كنّا عليه قبل أن نعرف ما هو الحب.
استمتعت بقراءة المقال مره وكوني إنسانة تحب الحب لامسني جدًا.
وأكثر عبارة جذبتني كانت
(نحن لا نحب دائمًا “أحدًا”، بل نحب ما يوقظ فينا شيئًا كنا نظن أنه مات أو خمد)
عبارة عميقة ومؤثرة
شكراً على هذا المقال الأكثر من رائع 👏🏼